محمد بن جرير الطبري
145
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فجعله على رأسه ، ثم دخل المدينة ، فجعل يمشي بين ظهري سوقها ، فيسمع أناسا كثيرا يحلفون باسم عيسى ابن مريم ، فزاده فرقا ، ورأى أنه حيران ، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدر المدينة ويقول في نفسه : والله ما أدري ما هذا أما عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل ؛ وأما الغداة فأسمعهم ، وكل إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف ثم قال في نفسه : لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم ، والله ما أعلم مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران لا يتوجه وجها ؛ ثم لقي فتى من أهل المدينة ، فقال له : ما اسم هذه المدينة يا فتى ؟ قال : اسمها أفسوس ، فقال في نفسه : لعل بي مسا ، أو بي أمر أذهب عقلي ؟ والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شر فأهلك . هذا الذي يحدث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به . ثم إنه أفاق فقال : والله لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي ؛ فدنا من الذين يبيعون الطعام ، فأخرج الورق التي كانت معه ، فأعطاها رجلا منهم ، فقال : بعني بهذه الورق يا عبد الله طعاما . فأخذها الرجل ، فنظر إلى ضرب الورق ونقشها ، فعجب منها ، ثم طرحها إلى رجل من أصحابه ، فنظر إليها ، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ، ويتعجبون منها ، ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل ؛ فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا ، وجعل يرتعد ويظن أنهم قد فطنوا به وعرفوه ، وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يسلمونه إليه . وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه ، فقال لهم وهو شديد الفرق منهم : أفضلوا علي ، فقد أخذتم ورقي فأمسكوا ، وأما طعامكم فلا حاجة لي به . قالوا له : من أنت يا فتى ، وما شأنك ؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين ، فأنت تريد أن تخفيه منا ، فانطلق معنا فأرناه وشاركنا فيه ، نخف عليك ما وجدت ، فإنك إن لا تفعل نأت بك السلطان ، فنسلمك إليه فيقتلك . فلما سمع قولهم ، عجب في نفسه فقال : قد وقعت في كل شيء كنت أحذر منه ثم قالوا : يا فتى إنك والله ما تستطيع أن تكتم ما وجدت ، ولا تظن في نفسك أنه سيخفى حالك . فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم ، وفرق حتى ما يحير إليهم جوابا ؛ فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه ، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة ملببا ، حتى سمع به من فيها ، فقيل : أخذ رجل عنده كنز . واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم ، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون : والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة ، وما رأيناه فيها قط ، وما نعرفه ؛ فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم ، مع ما يسمع منهم ؛ فلما اجتمع عليه أهل المدينة ، فرق ، فسكت فلم يتكلم ؛ ولو أنه قال إنه من أهل المدينة لم يصدق . وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة ، وأن حسبه من أهل المدينة من عظماء أهلها ، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا ، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرا من أهلها ، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدا . فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعض أهله ، أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم ، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها ، وهما رجلان صالحان ، كان اسم أحدهما أريوس ، واسم الآخر أسطيوس ؛ فلما انطلق به إليهما ، ظن يمليخا أنه ينطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه ، فجعل يلتفت يمينا وشمالا ، وجعل الناس يسخرون منه ، كما يسخر من المجنون والحيران ، فجعل يمليخا يبكي . ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله ، ثم قال : اللهم إله السماوات والأرض ، أولج معي روحا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار . وجعل يبكي ويقول في نفسه : فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت ، وأنى يذهب بي إلى دقينوس الجبار ؛ فلو أنهم يعلمون ، فيأتون ، فنقوم جميعا بين يدي دقينوس ؛ فإنا كنا تواثقنا لنكونن معا ، لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا ، ولا نعبد الطواغيت من دون الله . فرق بيني